محمد بن جرير الطبري

424

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

ما لم يفارق جسده الحي ذا الروح . فكل ما فارق جسده الحي ذا الرّوح ، فارقتْه الحياةُ فصار ميتًا . كالعضو من أعضائه - مثل اليد من يديه ، والرِّجل من رجليه - لو قطعت فأبِينتْ ( 1 ) ، والمقطوع ذلك منه حيٌّ ، كان الذي بان من جسده ميتًا لا رُوح فيه بفراقه سائر جسده الذي فيه الروح . قالوا : فكذلك نطفته حية بحياته ما لم تفارق جسده ذا الروح ، فإذا فارقته مباينةً له صارت ميتةً ، نظيرَ ما وصفنا من حكم اليد والرجل وسائر أعضائه . وهذا قولٌ ووجه من التأويل ، لو كان به قائلٌ من أهل القدوة الذين يُرْتضى للقرآن تأويلهم . * * * وأولى ما ذكرنا - من الأقوال التي بيَّنَّا - بتأويل قول الله جل ذكره : " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم " الآية ، القول الذي ذكرناه عن ابن مسعود وعن ابن عباس : من أن معنى قوله : " وكنتم أمواتًا " أمواتَ الذكر ، خمولا في أصلاب آبائكم نطفًا ، لا تُعرفون ولا تُذكرون : فأحياكم بإنشائكم بشرًا سويًّا حتى ذُكِرتم وعُرِفتم وحَيِيتم ، ثم يُميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم رُفاتًا لا تُعرفون ولا تُذكرون في البرزخ إلى يوم تبعثون ، ثم يحييكم بعد ذلك بنفخ الأرواح فيكم لبعث الساعة وصَيحة القيامة ، ثم إلى الله ترجعون بعد ذلك ، كما قال : " ثم إليه تُرجعون " ، لأن الله جل ثناؤه يحييهم في قبورهم قبلَ حشرهم ، ثم يحشرهم لموقف الحساب ، كما قال جل ذكره : ( يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ) [ سورة المعارج : 43 ] وقال : ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ) [ سورة يس : 51 ] . والعلة التي من أجلها اخترنا هذا التأويل ، ما قد قدّمنا ذكره للقائلين به ، وفساد ما خالفه بما قد أوضحناه قبل . وهذه الآية توبيخٌ من الله جل ثناؤه للقائلين : " آمنَّا بالله وباليوم الآخر " ، الذين أخبر الله عنهم أنهم مع قيلهم ذلك بأفواههم ، غيرُ مؤمنين به . وأنهم إنما يقولون ذلك خداعًا لله وللمؤمنين ، فعذَلهم الله بقوله : " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم " ، ووبَّخهم واحتجّ عليهم - في نكيرهم ما أنكروا من ذلك وجحودهم ما جحدوا بقلوبهم المريضة - فقال : كيف تكفرون بالله فتجحدون قدرته على إحيائكم بعد إماتتكم ، [ لبعث القيامة ، ومجازاة المسئ منكم بالإساءة والمحسن

--> ( 1 ) في المطبوعة : " وأبينت " ، وهذه أجود .